8 يونيو 2011

“المصري اليوم ” وأخلاقيات المهنة

عبدالستار ابوحسين
المتابع لجريدة المصري اليوم لا يجد عناء في اكتشاف موقفها المتحامل على جماعة الاخوان المسلمين  . غني عن البيان ان من حق الصحيفة ان تتخذ الموقف السياسي الذي تراه من الجماعة فهذا خيارها ومسؤوليتها في آن , لكن ما نأخذه على الصحيفة أنها ضربت عرض الحائط في موقفها هذا بأبسط القواعد المهنية  والأخلاقية الصحفية التي يعرفها طالب السنة الثانية في كلية الاعلام وهو يدرس التشريعات الإعلامية . غير بعيد عن الذاكرة حملة الصحيفة ضد ما أسمته  ”ميليشيات الأخوان  ” لوصف عرض رياضي نظمه طلاب الجماعة في جامعة الأزهر ,  وكانت الحملة قصفا تمهيديا لإحالة عدد من قيادات الجماعة إلى محاكمة عسكرية . ولا ننسى أيضا أن النظام البائد عندما أراد ان يحكم الحصار الدستوري ليس على الأخوان فقط بل على كل فصائل التيار الإسلامي استخدم الجريدة في الدعوة إلى تعديل دستوري يحظر ممارسة السياسة او تأسيس الأحزاب على أساس ديني . في الواقعتين كان أداء الصحيفة حرفيا وحملتها متقنة مما غطى على لا أخلاقية ما فعلته .
2
كنا نتوقع ان تدرك الجريدة أن  تغير المناخ وزيادة جرعة الوعي لدى القارئ وتحفزه لرصد المشهد الإعلامي الذي كان ولا يزال نقطة الضعف في ثورة 25 يناير يتطلب اقترابا مختلفا ومعالجة أفضل وأمانة أكثر, لكن الطبع يغلب التطبع ومن شب على شيء شاب عليه كما تقول العرب . بعد الثورة ركبت المصري اليوم موجتها وأصبحت المتحدث باسم الثوار , ولا ضير في ذلك فالكل يدعي وصلا بليلى . في الأيام التي سبقت الاستفتاء على التعديلات الدستورية  حملت “المصري اليوم ” لواء الترويج لرفض هذه التعديلات , وفي خضم هذه الحملة نظمت  مؤتمرا حول هذه التعديلات بتمويل أجنبي وحشدت في قاعة احد الفنادق الفخمة من استجلبتهم من المحافظات  وأجرت بينهم استفتاء مفبركا لتؤكد ان غالبية المصريين يرفضون تلك التعديلات , وعندما اشار موقع ” إخوان اونلاين  ” الى التمويل الأجنبي للمؤتمر شنت الجريدة على صفحاتها وعبر برامج التوك شو التي يعدها محرروها حملة شعواء على الموقع اجبرت العاملين فيه على رفع الموضوع من الموقع قبل ان يكشف الأستاذ عصام سلطان المحامي ونائب رئيس حزب الوسط فضيحة هذا المؤتمر  , ويعلن على الملأ في تسجيل فيديو منشور على موقع اليوتيوب صحة ما كتبه موقع الاخوان بل ويكشف ان منظمي المؤتمر اخبروه ان معارضتهم للتعديلات الدستورية يستهدفون بها قطع الطريق على الأخوان من الفوز في الانتخابات اذا تمت الموافقة على تلك التعديلات واطلق المسار الديمقراطي في مصر بل انهم تعجبوا من سلطان كيف لا يؤيدهم في ذلك وهو المعارض الشرس للإخوان.
3
كان يمكن التغاضي عن كل ما سبق  من باب عدم الانجرار الى خلافات ومعارك الماضي والانطلاق الى المستقبل بعقول منفتحة تتحرر من تلك الخلافات , لكن  ”المصري اليوم  ” عادت إلى التصيد للإخوان – ومرة أخرى هذا من حقها بشرط الصدق والأمانة – فنشرت خبرا عدته صيدا ثمينا بعنوان  ” خبر تعبيرى» على موقع «الإخوان» يحرف نتائج استطلاع أمريكى عن انتخابات البرلمان  “  وفي التفاصيل “نشر الموقع الرسمى لجماعة الإخوان المسلمين خبراً محرفاً عن نتائج استطلاع أمريكى حول تطلعات المصريين للمستقبل بعد ثورة 25 يناير، والتحديات التى تواجههم. كانت صحيفة «واشنطن بوست» قد نقلت عن المعهد الجمهورى الأمريكى نتائج الاستطلاع الذى أجراه المركز حول مرحلة ما بعد الثورة وأولويات المصريين بعد 25 يناير، والانتخابات البرلمانية القادمة. وكشفت النتائج أن 95% ممن شاركوا فى الاستطلاع أكدوا أنه «من المحتمل جداً» أن يشاركوا فى الانتخابات البرلمانية، وهى النسبة التى حولها موقع «إخوان أون لاين» إلى «95% من المصريين يرغبون فى إجراء الانتخابات البرلمانية فى موعدها دون تأخير أى فى سبتمبر المقبل “
لو كان الأمر كما ادعت المصري اليوم لكانت محقة ولكن ما يعرفه طلاب الصحافة انه لا ينبغي للصحفي ان ينقل عن المنقول دون عودة إلى الأصل فكثرة العنعنة تؤدي الى التحريف في العمل الصحفي  .وأغلب الظن أن الذي حدث ان الصحف ومنها  ”المصري اليوم  ” عادت الى نتائج الاستطلاع كما نشرتها صحيفة واشنطن بوست وهي صحيفة يمينية معادية للعرب والمسلمين اختارت من الاستبيان ما يؤكد الرؤية الغربية التي تشيع أننا لسنا من طلاب الحرية والكرامة  ومن ثم أبرزت من الاستبيان  في عنوانها ما يخدم هذه الرؤية فأشارت إلى ان الاقتصاد وليس الديمقراطية هو ما يشغل اهتمام المصريين  , وعندما عاد موقع الاخوان الى الاستبيان للرد على ادعاءات الصحيفة نشر ابرز ما جاء فيه ومنه ” في الوقت الذي قال فيه الاستطلاع إن 95% من المصريين لديهم استعداد للمشاركة في لانتخابات في موعدها في سبتمبر المقبل، أكد 76% من المستطلعة آراؤهم رفضهم لتأجيل الانتخابات، وأن سبتمبر موعد مناسب جدًا لإجرائها؛ حيث قال 51% إن الموعد مناسب، وقال 25% إن سبتمبر بعيد جدًا ويجب الإسراع في إجراء الانتخابات، في حين قال 21% إن توقيت الانتخابات في سبتمبر مبكر للغاية. . 72% قالوا إنهم أيدوا التعديلات الدستورية الماضية في حين أن 9% قالوا إنهم رفضوها.
الجريدة التي شنعت على موقع الإخوان لأنه اخذ عنوانا من الاستطلاع يتفق وسياسته التحريرية – وان كان اخطا في الرقم فهو 76% وليس 95 % – هي الجريدة نفسها التي حملت في اليوم التالي ” مانشيت ” مفبركا تستحق عليه المساءلة  لأنها كذبت ونسبت أقوالا لغير أهلها لتوافق رؤيتها السياسية . تحت عنوان “خلافات حادة بين القوى السياسية حول «الدستور أولاً أم الانتخابات»” قالت الجريدة ” شهدت مناظرة «الدستور أولاً أم الانتخابات»؟، التى عقدها مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان، مساء أمس الأول، اتهامات متبادلة بين قيادات حزبية ونشطاء سياسيين من جانب، وجماعة الإخوان المسلمين من جانب آخر. وفيما اتهم الطرف الأول الجماعة بعقد صفقات مع السلطة الحاكمة، للفوز فى الانتخابات البرلمانية المقبلة، ردت الجماعة بأن ما حدث لا يعدو كونه «اقتراح صفقات»، وأن «الدستور أولاً» التفاف على إرادة الشعب. قال الدكتور أحمد أبوبركة، أحد مؤسسى حزب الحرية والعدالة، التابع لـ«الإخوان»: «من يطالب بوضع دستور جديد للبلاد، قبل إجراء الانتخابات البرلمانية يحاول الالتفاف على الاستفتاء الدستورى، بهدف تعطيل الانتخابات فى مرحلة بناء الدولة». وقال أبوالعلا ماضى، رئيس حزب الوسط: «من مصلحتنا إجراء الانتخابات البرلمانية أولا، و(الإخوان) لم يعقدوا أية صفقات، وما حدث مجرد اقتراح صفقاتً».
انتهى الاقتباس من الجريدة والفضيحة ان مقدمة الخبر تقول بان الجماعة ردت على اتهامها بعقد صفقات مع السلطة الحاكمة بان ” ما حدث لا يعدو كونه اقتراح صفقات ” أي ان المسألة صحيحة في أصلها والخلاف حول المدى الذي وصلته تلك الصفقات : يتهمون الجماعة بعقد الصفقات فترد : لم ننته بعد من العقد وما زلنا في مرحلة الاقتراحات  !!!
لكن عند الوصول الى متن الخبر – الذي قد لا يقرؤه معظم القراء وهذا هو السبب في  تقسيم الخبر الى مقدمة تعرض اهم النقاط ثم ترد التفاصيل لاحقا  – نكتشف ان الكلام المنسوب للجماعة جاء على لسان ابو العلا ماضي الذي ذكر الصحفي انه رئيس حزب الوسط ويعرف القاصي والداني حجم الخلاف بينه وبين الاخوان بل ان الرجل نفى عقد الجماعة لاية صفقات
4
خيارات المصري اليوم تتجاوز معادة الإخوان إلى ما هو أبعد  فقد عدت إلى أرشيفي الصحفي فوجدت مقالا مطولا للزميل أنور الهواري أول رئيس تحرير لجريدة  ”المصري اليوم”   نشره في  ”الأهرام المسائي  ” في 17/3/2009 بعنوان ” الإعلام البديل  “  – والهواري أيضا خصم عنيد للاخوان لا يتوقف قلمه عن مهاجمتهم والتحريض عليهم  –  ومما جاء في المقال ويحتاج الى تامل ”
“صحيفة خاصة من صحف الإعلام البديل‏,‏ كانت قد عينت أحد الزملاء لمنصب رئيس التحرير قبل أن تصدر الجريدة‏,‏ ثم بعد ستة أشهر‏,‏ وهو يعد الأعداد التجريبية‏,‏ قرروا الاستغناء عنه كرئيس للتحرير‏.‏ ولما سئل العضو المنتدب الذي كان وراء ذاك القرار عن سبب إعفاء الزميل قبل إصدار العدد الأول من الصحيفة مما ترتب عليه تأخير صدورها لما يقترب من عام‏,‏ أجاب العضو المنتدب بصراحة شديدة‏:‏ أنا سألته‏:‏ ماهي تغطيتك المتوقعة لأخبار وقضايا الصراع العربي ـ الاسرائيلي؟ فأجابني أنا ملتزم بالموقف الوطني‏,‏ فقررت الاستغناء عنه لأنه لا ينفعنا‏,‏ وقررنا الاكتفاء به كاتب عمود فقط” ولا يحتاج القارئ الى عناء ليعرف ان الصحيفة هي المصري اليوم ورئيس التحرير المقال هو الزميل مجدي مهنا رحمه الله .
صاحب صحيفة من صحافة الإعلام البديل‏,‏ أخذ يلح ويشدد على رئيس التحرير أن يعتمد المفكر الإسلامي فلان من ثوابت الصحيفة‏,‏ وطلب إلقاء الضوء على مؤلفاته‏,‏ وإجراء حوارات معه‏.‏ وتوالت المفاجآت كالتالي‏:‏ مؤسسة فورد الأمريكية تتطوع من نفسها وترسل إلى رئيس التحرير كرتونة كبيرة بها كل مؤلفات هذا المفكر‏.‏ ومع الكرتونة كارت شخصي من المسئولة في فورد‏.‏طبعا رئيس التحرير لم يتصل بهم ولم يطلب منهم هذه الكرتونة‏,‏ والأعجب أن المفكر الإسلامي نفسه لم يكن على علم بهذه الواقعة‏……‏ وفي رمضان الماضي‏,‏ عادت ابنتي من الجامعة‏,‏ وقالت معنا شباب يدخنون السجائر في وقت الصيام‏.‏ فقلت لنفسي‏:‏ إذن الإعلام البديل بدأ يؤدي الغرض من تأسيسه‏.‏
مرة اخرى الصحيفة هي المصري اليوم والمفكر الاسلامي هو جمال البنا صاحب فتوى ” التدخين لا بفطر الصائم “
  • تعليقات الموقع
  • تعليقات الفيس بوك

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Item Reviewed: “المصري اليوم ” وأخلاقيات المهنة Rating: 5 Reviewed By: الأفق العربى
Scroll to Top